|
جسّاس
المصري_ كلمة أخيرة قبل الرحيل
جسّـــاس المصري رجلٌ لا
ينتمي لهذا العصر برغم انغماسه فيه هذا ما كان أقرانه ينعتونه به فقد كانوا دائماً
ما ينعتوه بأنه رجلٌ آت من الماضي السحيق رجلٌ يتحلى بأخلاق الفرسان في زمنٍ لم يعد
فيه إلا الفئران وهذا لأنه لم يكن ليتهاون أمام الخطأ ولا حتى مع
نفسه.
كان
رجلٌ يدعى ذات يوم جسّاس المصري وكان فعلٌ ماض ولكنه ماضٍ مستمر لا يتوقف إلا عندما
تتوقف تلك القلوب التي كانت تستلهم نبضها من نبض قلبه وحينما تموت تلك العقول
العطشى التي لطالما ارتوت من منابعه الفياضة،لكن فيما يبدو أن ساعته قد حانت وسيف
المنون قد تم سلّه من غمده ليوضع على رقبته كي يريحه من عناء رحلته الشاقة الطويلة
برغم أنه لم يتجاوز بعد منتصف العقد الرابع من عمره لكنه كما قلنا يحتاج للراحة وقد
أوصاني أن أدفن قلمه معه بنفس الكفن، ذلك القلم الذي رافقه طيلة المشوار والذي أبى
أن يحيا بعد صاحبه يوماً أخر فمات هو الأخر حزناً على صاحبه ليستريحا معاً مما
كابداه سوياً في رحلتهما نحو الحقيقة.
ليس هذا فحسب بل لكي يستريح
أعداؤه ويهنأ بالهم بعدما أرهقهم النظر دوماً للسماء إذ كانوا يرونه نجماً بازغاً
لا يستطيعون أن يطالوه ولا يستطيعون أيضاً الفكاك من أسره بعدما أصبح ذلك الشعاع
المنبثق منه مصدر إلهامهم ولكنها طبيعة البشر دائماً وأبداً إذ لطالما توحدت قلوبهم
على أمنيةٍ واحدةٍ وهي أن يروا هذا النجم الساطع على الأرض منكدرا وفيما يبدو أن
أمنياتهم الحمقاء قد تحققت أخيراً.
هاهي علامات القيامة قد
حلّت في سمائه فلم تعد هناك سماءٌ تظلّه ولا أرضٍ تقلّه بعد أن
طويت السماوات ومارت الأرض وخُسِفت الشموس والأقمار جميعها فلا
شمسٌ تضيء ولا قمرٌ ينير وآذن لذلك النجم الذي كان بازغاً أن ينكدر ويذهب مع جبالٍ
أصبحت سراباً حتى دماؤه قد أصبحت جحيماً مستعراً بعد أن سُجِّرت ثم ماذا بعد كل هذا
؟؟؟ لم يتبقى إلا شيءٌ واحدٌ ألا وهو نفخة الصعق وإعلان نهاية الأمر وإسدال الستار
على تلك المأساة الملهاة.
جسّاس يا صديقي الوحيد_
حقاً لست أدري كيف يهنأ لي العيش بعد رحيلك يا أوفى الأخلاء.. هل تذكر تساؤلاتنا
سابقاً .. هل أنا ظلّك أم أنت ظلي؟؟؟ لا أنكر أنني أحياناً كنت أغار منك وأنت أيضاً
كنت تغار مني أحياناً إذ كانت كفتانا متعادلتان وكنا نتنافس فيما بيننا وكنا وكنا
وكنا.....،،،
أي صديقي الوحيد .. هل
تغادر الآن لتنعم وحدك بالراحة وتتركني للذكريات وحديث الشجون حزناً على أطلال صرحٍ
قد تهاوى ودربٌ طويل ماكنا ندري أن نهايته تلك الهاوية السحيقة التي لا قرار
لها.
أخي وصديقي جسّاس _ كلمةٌ
أخيرة قبل رحيلك_ لماذا لا تجيبني؟؟؟ أأنت غاضب مني لهذه الدرجة
؟؟؟
أعرف أنه لا يجب أن أثقل
عليك وأنت تعاني السكرات ولكنني أحترق كلما شعرت بأن أمنيتي الحمقاء هي التي قتلتك
هي التي دمرتك... وي كأنني أنا الذي أنزلتك من مكانك بالسماء كي تسقط على الأرض
منكدراً ومن أجل ماذا ... ياللهول .. من أجل تلك النفس الأمارة بالسوء تلك النفس
الدنيئة التي ترنو ببصرها دائماً لما هو دون ترنو دائماً لأسفل سافلين ، أجل يا أخي
وصديقي الوحيد أنا من جنى عليك حينما هويت وتعلق قلبي بحب تلك ال......... أجل هويت
ولم أكن أدري أنني إذا هويت سقطت من الذرا وهويت ويا ليتني سقطت وحدي إنما أخذتك
معي لأسفل سافلين.
أخي وصديقي الوحيد_عذراً_
هذا قدرنا وقدرنا أن يكون السقوط على تلك الايدي التي ظنناها سوف تكون اليد الحانية
وسط ذلك الخضم الرهيب من قسوة الحياة ولكن القدر يأبى أن تكون له يدٌ حانية. لا يهم
الآن كيف كانت أو من كانت هي فالمهم أنها لا تستحق أن تستأثر بحيز من تلك الكلمات
بعدما تمت إماطة اللثام عن حقيقة دورها في خطة القضاء على ذلك القلب
الذهبي..
حقاً لم أكن أدري حينها أن
نهايتنا ستكون على يديها وأن طوق النجاة الممدود لهذا الغريق في بحر متلاطم أنها
كانت أداة التعذيب والموت البطيء، من كان يصدق أن تلك الرقة وذلك الحنو يخفي وراءه
أفعى رقطاء سوف تغرس أنيابها لتدفع بكل سموم الأفاعي إلى ذلك القلب النابض بكل
المعاني الجميلة ليضخ بعدها دماءاً مسجورة حتى إذا تحولت أنا إلى ذلك المسخ المشوه
كان كل ذلك إيذاناً بالتداعي والإنهيار في علاقتنا الحميمية
.
أخي وصديقي جسّاس _عذراً_
إذ كنت فيما مضى تساءلت عن من منّا الأصل ومن الظل؟؟؟
فهاهي الحقيقة قد بان
أوارها إذ أنني ما كنت بالنسبة لك إلا ذلك الجسد الذي يحتويك وأنك كنت ذلك الجوهر
المشع ، وأنا بفعلتي الشنعاء أهديتك يا قلبي يا جوهر الثمين إلى من لا يقدرون
الجواهر النفيسة وبالتالي فلا لومٌ عليها وإنما اللوم كل اللوم على من يهدي اللآليء
لمن يعشقون الدنيء.
ختاماً أيها القلب المخلص
__ هنيئاً لك الراحة الأبدية وإني لأرجو ألا تكون ناقماً عليَّ إذ يكفيني من العقاب
على فعلتي وخطيئتي في حقك أنني سوف أحيا كرجلٍ بلا قلب ولا جوهر وأنني سوف أحيا ما
تبقى لي في هذه الحياة مسخاً مشوهاً لرجلٍ خسر ذاته لأنه هوى
فهوى.
جميل السيد
أحمد
السبت 26 أبريل
2008
20 ربيع ثان
1429
Email Me
|